سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

244

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

المقاطعة وتنتظم في سلك المستعمرات فتصبح أعزة البلاد أذلاء ويحل محل الحرية الشخصية الاستعباد وكم الأفواه ، وينتصب الميزان ليحاسب من تطرف عينه من الأهلين أو يشخص ببصره أو يلتفت إلى ورائه ، ليس لأحد من خيرات بلاده شيء وكل الضرائب والضربات والشر والويلات لأهل البلاد وعليهم ، لا يشاركهم بذلك أحد . « هذا إذا كان الدخول للبلاد « بلعبة حربية » ، وأما إذا دخلوا من باب الانتصار للأمير أو تثبيت الملك أو قمع الثورة وكانوا في ذلك اللباس لباس الأصدقاء ، الأمناء المخلصين أو محبين للشعب ورقيه وتعليمه دروس الحكم الذاتي ليستغنى عنهم ويحكم بلاده بذاته ! ! فهناك تبقى مظاهر الأمور محفوظة وبعض التقاليد التافهة مأمونة يشكلون للأحكام وإدارة مهام البلاد - هياكل من الناس ويتركون معهم أمير البلاد قبة جوفاء يرجع منها صدى الصوت فقط وليس لهم من الأمر إلا اتباع الأمر لاغير . ومختصر القول : إن الاستعمار بمعناه الصحيح ومبناه الصريح هو تسلط دول وشعوب أقوياء علماء على شعوب ضعيفة جهلاء ، ولا يخرج عامل الغلب والقهر عما ذكرناه فيما سبق وهو « القوة والعلم » يحكمان ويتحكمان بالضعف والجهل ، سنة ثابتة وقانون متبع في الكون . ولما كان لحياة الأمم والدول أدوار وآجال ولحدوثها وتكونها وتعاليها ثم توقفها وانحطاطها أسباب وعوامل ، هكذا وجب أن يكون الاستعمار خاضعا لتلك النواميس الكونية ، بمعنى أنه يصل إلى حد محدود وأجل معلوم . انقضاء أجل الاستعمار إنما يتم بزوال الأسباب التي مكنت أهله من التسلط وأكرهت الشعوب على الخضوع لهم . نعم متى ضعف ما كان سببا في الصعود ، يحصل الهبوط والانحطاط ، ومتى زال ما كان سببا في السقوط يحصل الصعود ، دور للحاكم والمحكوم وقاعدة هي بحكم اللازم والملزوم . « يحصل للضعيف من صدمة القوي دهشة ورجفة ويحدث من آثار العلم على الجاهل « خشية » فيقف بين هاتين القوتين منذهلًا ، حائراً ، ذليلًا ، صاغراً ، كما هو